الشيخ محمد الصادقي الطهراني

182

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

ولا يقدران على تحصيله دون عسر وحرج ، أم ولا بعسر أو حرج ، فالأولان قد يشك في جواز اعطاء الزكاة لهما ، ولا شك في الأخيرين ، ثم المتوسطان متوسطان ، ومهما يكن من شيءٍ فلا ريب في تقدم الأخير على ما قبله ، والوسيط على ما قبله . ثم لا ريب في تقدم من له كل العناوين الثمانية على من دونه منها ، فالفقير يتقدم على المسكين ، والفقير من أبناء السبيل يتقدم على أحدهما ، وهكذا القياس . ويقابل « الفقراء والمساكين » الأغنياء و « لا تحل الصدقة لغني » « 1 » وهو أعم من غنى المال الحاضر ، والغائب بحرفة حاضرة كافية ، أم بحرفة مقدورة غير محرجة ، فليس الزكاة إلّا للساعين قدر مقدورهم بنقصان مؤنة ، أو القصَّر والعجزة الذين لا يقدرون على مؤنتهم ، ولأن الزكاة دين للفقراء في أموال الأغنياء فلا بد من التحري في إيصالها إلى أهلها إلّا أن يخطأ قاصراً فقد يُعفى عنه . « 2 » ولا تشرط العدالة ولا الوثاقة ولا الإيمان في الفقراء والمساكين لاطلاق النص فيهما مهما كان التقدم للمؤمنين في دوران الأمر بينهم وبين الكافرين ، فللفقر والمسكنة على أية حال نصيبهما كما لسائر العناوين الثمانية ، وكلها مصبوغة بصبغة واحدة هي « سبيل اللَّه » . ثم « العاملين عليها » هم عمال أخذ الزكاة ، وهذا يلمح بما تصرح به الآية « خذ من أموالهم صدقة » أن أمر أخذ الزكاة ليس إلا لإمام المسلمين وليس فوضى جزاف ، لأنها الضريبة الإسلامية العامة الكبرى التي بها تقام المصالح الإسلامية اقتصادية وروحية

--> ( 1 ) . الوسائل 6 : 158 - 161 ح 8 - 9 - 11 وفي الدر المنثور 3 : 352 عنه صلى الله عليه وآله قال : « لا تحل الصدقة لغني ولاذي مرة سوي » . وفيه أخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي عن عبيداللَّه بن عدي بن الخيار قال أخبرني رجلان انهما أتيا النبي صلى الله عليه وآله في حجة الوداع وهو يقسم بالصدقة فسألاه منها فرفع فينا البصر وخفضه فرآنا جلدين فقال ان شئتمااعطيتكما ولاحظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب . ويدل عليه صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليهما السلام قال : سمعته يقول : إن الصدقة لا تحل لمحترف ولا لذي مرة سوي قوي فتنزهوا عنها ( الكافي 3 : 450 رقم 2 ) . وعن زرارة عن أبي جعفر عليهما السلام قال قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : « لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي ولا لمحترف ولا لقوي ، قلنا : ما معنى هذا ؟ قال : لا تحلّ له أن يأخذها وهو يقدر على ما يكبت نفسه عنها » ( قرب الإسناد 72 ) أقول : فلا تعني الغني المال الحاضر الوافي ولا الحرفة الحاضرة الوافية ، بل تكفي القدرة على تحصيل المؤنة وإن كان تارك الحرفة تنيلًا ، ثم يعني المحترف الذي تكفيه حرفيته لمؤنته وإلا فليأخذ الناقص عنها على حرفته ويدل عليه صحيحة معاوية بن وهب قال سألت أبا عبداللَّه عليه السلام عن الرجل يكون له ثلاثمائة درهم أو أربعمائة درهم وله عيال وهو يحترف فلا يصيب نفقته فيها أيكسب فيأكلها ولا يأخذ الزكاة أو يأخذ الزكاة ؟ قال : لا بل ينظر إلى فضلها فيقوت بها نفسه ومن وسعه ذلك من عياله ويأخذ البقية من الزكاة ويتصرف بهذه ولا ينفقها . ( الكافي 3 : 561 رقم 6 ) ( 2 ) . كما في الصحيح عن عبيد بن زرارة قال قلت لأبي عبداللَّه عليه السلام رجل عارف أدى زكاته إلى غير أهلها زماناً هل عليه أن يؤديها ثانية إلى أهلها إذا علمهم ؟ قال : نعم ، قال قلت فإن لم يعرف لها أهلًا فلم يؤدها أو لم يعلم أنها عليه فعلم بعد ذلك ؟ قال : يؤديها إلى أهلها لما مضى ، قال : قلت له : فإن لم يعلم أهلها فدفعها إلى من ليس هو لها بأهل وقد كان طلب واجتهد ثم علم بعد ذلك سوء ما صنع ؟ قال : ليس عليه أن يؤديها مرة أخرى . ( الكافي 3 : 546 رقم 2 )